تحتل حرب البسوس مكانا بارزا فى الذهنية العربية باعتبارها نموذجا للحماقة غير المعقولة حيث تتقاتل القبائل أربعين عاما ثأرا لناقة !!
ولكن لنحاول أن نجلو الظلام عن هذه الحرب لنعرف ونعتبر .
فى العصر الجاهلى كانت قبائل بكر وشيبان وأبناء عمومتهم قبيلة تغلب تعيش تحت حكم أقيال اليمن وتكافح لرفع نير هذا الحكم عن اعناقها ، وقدر لها زعيم ينتمى لقبيلة تغلب يدعى وائل بن ربيعة ويلقب بكليب إجتمعت عليه كلمتهم فقادهم إلى النصر فى معركة تدعى يوم خزازى واعترافا بالجميل فقد سودوه عليهم ولكنه طغى وتجبر وقرب بنى قبيلته وحكمهم فى رقاب الناس حتى قيل أنه يحمى مواقع السحاب أى انه يقول ( كل ما تظله السحاب هو حمى كليب لا يقربه أحد) وإلا يكون جزاؤه القتل وكان شيوخ القبائل يقبلون ذلك على كره منهم خشية بطشه وإعترافا بسابق يده عليهم إلا أن الشباب منهم لم يرضوا بذلك وتزعم العصيان فارس يدعى جساس بن مرة وهو للمفارقة الغريبة شقيق زوجة كليب وتدعى جليلة ، وكان من الممكن أن يستنيم إلى عز صهرة وسلطانه إلا أنه لم يقبل الدنية وحدثت بينهما مناوشات عديدة .
ثم تظهر على المسرح شخصية أخرى هى البسوس وهى خالة جساس وكانت تستضيف رجلا من أقاربها له ناقة رعت فى حمى كليب فقتلها رميا بسهم فى ضرعها . وكانت هذه كما يقولون القشة إياها ، فإهانة الضيف جريمة لا تغتفر عند العربى الأبى ( الحقيقى وليس عرب الصوبة ) .
فتربص جساس لكليب حتى قتله ليس ثأرا للناقة ولكن ثأرا لجرح الكرامة ، وأصابت طعنته هوى فى نفوس قبيلته بنى بكر فقد شفى صدورهم مما كانوا يضمرون من الغل لكليب ولذلك رفضوا تسليمه لبنى تغلب وردوا رسلهم مهانين .
وهنا تظهر الشخصية الرئيسة على المسرح وهى شخصية عدى بن ربيعة شقيق كليب ويلقب المهلهل وهو أعجوبة من أعاجيب العرب فقد كان لا يفيق من اللهو والخمر سادرا فى عز أخيه ولكنه ما أن تلقى الخبر حتى حدث إنقلاب هائل فى شخصيته فما أن عاد رسل قبيلته حتى أقسم قسما ما أظن أن أحدا يطيقه ، أقسم أن الخمر عليه حرام لا يذوقها ، والنساء عليه حمى لا يقربة ، وأن الطيب لن يقرب أنفه ، والماء لن يمس جسده وأنه لن يدع سيفه ولن ينزع درعه ولن يضع خوذته ولن يخلع ثيابه حتى يثأر ثأرا تطيب له نفسه !! حتى ( شسع نعل كليب ) أى رباط حذائه سيأخذ بثأره ، وقد بر المهلهل بقسمه فعند وفاته حاولوا أن ينزعوا درعه ليدفنوة فخرجت ملتصقة بجلده وعندما نزعوا خوذته خرجت مع فروة رأسه !!!
وللحديث بقية .