أمراض الشرايين التاجية
قد يصيب المرض أي جزء من القلب، لكن كلمة مرض القلب تعني مرض الشرايين التاجية (الإكليلية)، الذي يسمى أحيانًا مرض القلب الإقفاري، وهذه الحالة تؤثر في الأوعية التي تغذي القلب نفسه. وهي تؤدي إلى ضيق في الشرايين التاجية، ولذلك تقلل إمداد القلب بالدم.
قثطرة القلب تشمل تمرير قثطار (أنبوب مرن) عبر القلب،
وتتبع مرورها في شاشة أشعة سينية. وتوضح صورة الأشعة السينية
أعلاه موضع ثقب بين البطينين. وقد أدخل الأنبوب عبر وريد في الذراع
وتم تمريره للقلب عبر الثقب ثم إلى أعلى إلى الشريان السُباتي
يذهب 5% تقريبًا من الدم الذي يضخه القلب للشرايين التاجية مباشرة. والدم يحمل معه الأكسجين والمغذيات (المواد الغذائية) المذابة التي يحتاجها القلب لأداء عمله. ولا يستطيع القلب تخزين الأكسجين، ولهذا فهو في حاجة لإمداد دائم ومستمر. ومرض الشرايين التاجية قد يؤثر في أداء القلب بتأثيره على كمية إمداد الأكسجين بتقليلها أو إيقافها. ويعاني بعض المصابين بمرض الشرايين التاجية ألمًا حادًا، وبعضهم لا يحس بشيء، بل لا يعلم أن له مشكلة في القلب. وإذا تطور المرض فقد ينتج عن ذلك نوبة قلبية. وهذه النوبة تؤدي إلى تلف في عضلات القلب أو ربما للموت المفاجئ. ومعظم حالات مرضى الشريان التاجي يمكن علاجها، ولكن يجب تشخيصها وتمييزها في أسرع وقت ممكن.
عوامل الخطر : من الصعب على الأطباء تحديد من سيصاب بمرض الشرايين التاجية. وبالرغم من ذلك فإن الأبحاث الطبية تشير إلى أنّ بعض الحالات والعادات قد تؤدي لهذا المرض. ويسمي الأطباء هذه العادات عوامل الخطر. وبعض هذه الأسباب قد يصعب التحكم فيها. فقد يصيب هذا المرض مثلاً الرجال أكثر من النساء، والمسنين أكثر من صغار السن، وقد يكون له علاقة وراثية بأسرة الشخص.
ومعظم عوامل الخطر الأخرى في مرض الشرايين التاجية يمكن التحكم فيها. وأكثر الأسباب خطورة كمية المادة الدهنية التي تسمى الكولسترول. فكلما زادت كمية الكولسترول في دم الإنسان زادت قابلية إصابته بمرض الشرايين التاجية، لأن ترسب هذه المواد الدهنية يؤدي إلى ضيق الأوعية الدموية. ويمكن التحكم في الكولسترول في الدم بتقليل كمية الدهون الحيوانية في وجبات الطعام.
ومن عوامل الخطر الأخرى التي يمكن التحكم فيها ارتفاع ضغط الدم والتدخين. ويجعل ارتفاع ضغط الدم القلب يعمل بجهد أكثر وقد يؤدي إلى نوبة قلبية. ويمكن للإنسان أن يخفض ضغط دمه بأن يقلل من وزنه، وأن يؤدي بعض التمارين الرياضية وأن يأكل كميات قليلة من الملح.
وهناك بعض الأدوية أيضًا تساعد على خفض ضغط الدم المرتفع. فمدخنو السجائر أكثر قابلية للمرض من غيرهم. والذين يدخنون بكثرة عندهم احتمال للإصابة بالسكتة أو النوبة القلبية ضعف غيرهم من غير المدخنين. والذين يتركون التدخين يقللون فرصة إصابتهم بأمراض القلب بصورة ملحوظة. وتشمل بعض الأسباب الأخرى التي تساعد على الإصابة بمرض الشرايين التاجية، مرض السكري، والسمنة المفرطة، والضغوط النفسية.
والكشف الطبي المنتظم غالبًا ما يؤدي إلى التحكم في عوامل الخطر. وفي هذه الحالات قد ينصح الأطباء المريض بالإقلاع عن التدخين أو اتباع وجبات غذاء خفيفة للتحكم في ارتفاع ضغط الدم أو التحكم في نسبة الكولسترول أو التحكم في الوزن.
الأسباب : تنتج معظم أمراض الشرايين التاجية تقريبًا عن مرض تصلب الشرايين، وهي الحالة التي تفقد فيها الشرايين ليونتها ومرونتها. وفي معظم الحالات يصير الجدار الداخلي للشريان ممزقًا محدثًا حالة مماثلة لتصلب الشرايين تسمى التصلُّب العصِيدي. فالجدران الداخلية للشريان السليم تكون ناعمة ولذلك يجري فيها الدم بسهولة. ولكن في حالة تصلب الشرايين تتراكم ترسبات الدهون والكالسيوم في الجدار مما يعيق جريان الدم في الشريان. وتسمى ترسبات الكالسيوم والدهون اللويحات (البلاك). وقد تؤدي هذه اللويحات إلى انسداد تام يمنع جريان الدم نهائياً في الشريان، بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى ضيق في الشريان، ويقلل جريان الدم بصورة كافية لتؤدي إلى تكوين جلطة أو خثرة. وأحيانًا تتكسر هذه اللويحات مفرزة أجسامًا صغيرة قد تؤدي بدورها إلى جلطة دموية، وإذا أدت الجلطة إلى انسداد في الشريان التاجي فإنها تؤدي إلى نوبة قلبية. وإذا حدثت في أي شريان في الدماغ فقد تنتج عنها سكتة دماغية.
الأعراض والتشخيص : يحدث تصلب الشرايين التاجية عادة على مدى سنوات عديدة، رغم أن الأطباء وجدوا لُويحات في الشريان التاجي في بعض صغار السن من الجنود الذين قتلوا في المعارك. ولكن الأعراض غالبًا ما تظهر بعد سن الخمسين أو أكثر في بعض الأحيان. وتكون النوبة القلبية أولى الأعراض، وأحيانًا يحدث الموت المفاجئ. وعلى أية حال فإن الأعراض المبكرة المشابهة قد تكون ألمًا في الصدر يعقب تمارين رياضية أو أي نشاط آخر يجعل القلب يعمل أكثر من المعتاد. ويسمي الأطباء مثل هذا الألم بالذبحة الصدرية أو الذبحة. والشرايين التاجية الضيقة تغذي القلب بأكسجين أقل، مما يتسبب في الألم عندما يعمل القلب بطاقة أكثر. وبعد أن تتوقف التمارين أو ينتهي المجهود يتوقف الألم. وتزداد الذبحة إذا تركت من غير علاج، وغالبًا ما يشتكي المريض من ألم حتى وهو في حالة الراحة التامة.
جراحة المجازة التاجية تساعد الدم على الانسياب
حول جلطات الشرايين التاجية. ويمنع مثل هذا الانسداد (أعلى)
الدم من الوصول لعضلة القلب. ويستخدم الجراح أجزاء ومفاصل
من أوردة الفخذ أو شرايين الصدر لعمل المجازة حول الجلطة (أسفل).
يشخص الأطباء أمراض الشريان التاجي بدراسة حالة المريض العامة والأمراض السابقة التي أصابته. ويسجلون تاريخ أي ذبحة أو نوبة قلبية أو وجود أي عوامل خطر. وقد يكشف الفحص العام عن وجود أسباب وعوامل خطر مثل ارتفاع ضغط الدم أو عطب في القلب.
يستعمل الأطباء آلة تسمى مرسمة كهربائية القلب لمعرفة أي عطب في القلب أو أي اضطرابات في انتظامه. وتعطي هذه الآلة تخطيطًا يسمى رسم كهربائية القلب، يوضح النشاط الكهربائي لعضلة القلب. وتسجل الدفعات على ورق متحرك يوضح نشاط القلب الكهربائي على شكل سلسلة من الخطوط المموجة أو المتعرجة. وتمثل التعرجات الأساسية انقباض البطين والتعرجات الفرعية تمدد البطين وانقباض وتمدد الأذين. وتؤخذ معظم رسومات القلب للمريض وهو مستلقٍ، ولكن بعض الأطباء يرسم القلب للمريض وهو يؤدي بعض التمارين الرياضية. ومثل هذا التخطيط يوضح ما إذا كان القلب مريضًا حتى وإن لم يشك المريض من ألم، ويوضح إذا كان القلب يتلقى كمية كافية من الأكسجين أثناء التمارين الرياضية القاسية أم لا.
يستعمل الأطباء أيضًا طريقة أخرى تسمى التصوير النَّوَوي الشُّعاعي، لتعرف مرض الشريان التاجي. يحقن الطبيب مادة مشعة في دم المريض ويستطيع أن يرى المادة على شاشة أثناء انتشارها في عضلات القلب. والمساحة التي لا تتلقى دمًا تظهر خالية على الصورة. ويستعمل الأطباء التصوير النووي الشُّعاعي عادة مع رسم كهربائية القلب تحت الإجهاد.
وإذا كان هناك شك في أسلوب التشخيص العادي فإن الأطباء قد يفضلون القثطرة القلبية، ثم يعقبها تخطيط الأوعية التاجية. وهنا يدخلون أنبوبًا مرنًا طويلاً يسمى القثطار عن طريق وعاء دموي كبير عادة ما يكون شريانًا في منطقة التقاء الفخذ مع الجذع، ويدفعون القثطار إلى حيث يبدأ الشريان التاجي ويحقنون صبغة. بهذه الطريقة يمكن رؤية الشرايين من الداخل ـ ويمكن تسجيلها على فيلم أشعة سينية وتسمى الصورة الوعائية. وهذا الاختبار يُظهر حالة الشرايين التاجية بوضوح. وقد توضح الصورة الوعائية للشريان التاجي وجود إصابة طفيفة أو ربما الموت في بعض الأحيان. ولهذا يجريها الأطباء فقط في الحالات التشخيصة المعقدة.
العلاج : لا يستطيع الأطباء علاج مرض الشريان التاجي. وفي بعض الحالات ينصحون المرضى بتغيير أسلوب حياتهم للحد من تطور المرض. ويمكن علاج المرضى بالأدوية أو الجراحة حتى تساعدهم ليعيشوا حياة طبيعية. ويشخص الأطباء كل مريض بالشريان التاجي على حدة ليحددوا نوع العلاج الذي يعطي فائدة أكبر.
ويصف الأطباء أدوية مختلفة لعلاج أعراض انسداد الشريان التاجي. وكثير من الأدوية يخفف آلام الذبحة، فقرص النيتروجلسرين مثلاً، يوسع الشرايين التاجية عندما يوضع تحت اللسان، فيسمح لدم أكثر أن يمر عبر الترسبات الدهنية، كما يمكنه أن يوقف آلام الذبحة في دقيقتين. ومحصرات بيتا ومحصرات قنوات الكالسيوم قد تمنع الذبحة، حيث تبطئ محصرات بيتا عمل القلب وتقلل قوة انقباضه وعليه يقلل حاجة القلب للأكسجين مما يجعل ضخ الدم أسهل. وتعمل محصرات قنوات الكالسيوم مثل مُحْصرات بيتا بالإضافة إلى أنها تساعد على تمدد الشرايين التاجية. والعقاران أيضًا يخفضان ارتفاع ضغط الدم. أما عقار القمعية فإنه يقوي القلب الضعيف. وينصح كثير من الأطباء مرضى الشرايين التاجية بتناول قرص أسبرين يوميًا، لأن الأسبرين يمكن أن يساعد في منع تجلط الدم عند مرضى الشريان التاجي.
وإذا عجزت الأدوية عن معالجة مرض الشريان التاجي فإن الأطباء يدرسون اتباع أساليب أخرى للتغلب على المشكلة. وأسهل تقنية هي توسيع الأوعية التاجية. فالأطباء يدخلون قثطارًا به بالون منكمش يصل للمكان الضيق في الشريان التاجي. بعدها يملأ البالون بالهواء مما يدفع الانسداد جانبًا ويوسع الشريان. وتوسيع الأوعية الدموية جراحياً يعمل بنجاح بنسبة 85% للمرة الأولى. وفي ثلث المرضى يرجع الانسداد مرة أخرى في خلال ثلاثة شهور. وهناك طرق متعددة قد تزيد الفوائد والمزايا من جراحة تقويم الأوعية. فقد يؤدي إرسال حزم ضوئية مكثفة من نبائط تسمى الليزر إلى حرق ترسبات اللويحات حديثة التكوين. وقد توضع شرائح رقيقة في الشريان لتبقيه مفتوحًا.
وإذا فشلت وسائل القثطرة فإن معظم أطباء القلب يقترحون إجراء عملية طعم مجازة الشريان التاجي. وفي هذه العملية يزيل الجراح جزءًا يسيرًا من وعاء دموي غالبًا ما يكون وريدًا في الفخذ أو شريانًا في الصدر، ويُوصِّل جانبًا من الشريان أو الوريد للأبهر والجانب الآخر للشريان التاجي المصاب متخطيًا الجزء المسدود. والجراحون يستطيعون إيقاف عمل القلب أثناء عملية التحويل باستعمالهم جهاز القلب ـ الرئة. والجهاز له مضخة كهربائية ونظام أغشية وحواجز تؤدي عمل القلب والرئتين. وهو يسحب ثاني أكسيد الكربون من الدم ويرسل الدم المؤكسد إلى جميع أنسجة الجسم. وقد تخفف مجازة الشريان التاجي من أعراض الذبحة وتطيل ـ بإذن الله ـ عمر المريض الذي يشكو من داء الشريان التاجي الحاد، ولكنه لا يؤثر ولا يوقف تصلب الشرايين
أثناء جراحة المجازة يفتح الأطباء صدر المريض ليكشفوا القلب (إلى اليسار)
ثم يوقفون القلب عن العمل ويوصلون أجزاء الأوعية الجديدة للشريان التاجي المسدود.
ويعمل جهاز القلب ـ الرئة على ضخ وأكسدة الدم أثناء العملية الجراحية.